​كما لو أنني أحترق


 ​إعلان التمرد :

​منذ اليوم الذي انتهت فيه رحلتي مع المدرسة، اتخذتُ قراري الكبير: يجب أن أتغير. كان عليّ أن أقتل الكسل والتخاذل بداخلي، لأثبت للجميع —أهلاً وأقرباء— أن جدران الفصول ليست الطريق الوحيد لعيش حياة كريمة. هكذا، وضعتُ منطقة الراحة خلف ظهري، ويممتُ وجهي شطر العاصمة، حيث الصخب والبدايات الجديدة.

​ من مدينة  المرح إلى ساحة المعركة

​لم تكن المرة الأولى التي أزور فيها العاصمة، لكن الشعور هذه المرة كان مختلفاً تماماً. لم تعد المدينة في عيني مجرد مكان للمرح  بل تحولت إلى أرض للفرص، وربما أرض للقتلة والمجرمين أيضاً. هناك، رأيتُ رجالاً يرتدون النبالة في ثيابهم ومعارفهم، تماماً كأبطال روايتي المفضلة لورد الغوامض. شعرتُ بـغواية النجاح وأردتُ أن أكون مثلهم أو ربما النسخة الأفضل منهم.

الاستقلال المُر

​بدأتُ رحلة الاستقلال الحقيقي بحثتُ عن عملي الأول دون وساطة أو مساعدة. استقر بي المقام في مؤسسة خيرية وعلى الرغم من شغفي بالصعود معهم إلا أن الواقع كان له رأي آخر. عشتُ شهوراً بلا راتب وهناك عرفتُ وجوهاً جديدة من الألم لم أعهدها: الجوع الذي ينهش الأمعاء والبرد الذي يسكن العظام، والوحدة التي تقتل الروح.

​كنتُ أموت بصمت؛ خشيتُ أن أعود لأمي فأكون "عالة" عليها في ظل ظروفها المادية الصعبة وهرعتُ بعيداً عن أعمامي خوفاً من سياط اللوم والسخرية. كنتُ وحيداً تماماً، أصارع جوعي وصراعاتي القديمة مع عاداتٍ تنهش إرادتي أنتظرُ باباً يُفتح.. أو معجزةً تنقذ ما تبقى مني

وفجأة، جاءني القبول في شركة توصيل، وظننتُ أن الحياة بدأت تبتسم لي أخيراً.






مطاردة السراب:




​ما إن استقرت أموري المادية قليلاً في العمل الجديد، حتى بدأتُ بصياغة خططٍ جامحة أردتُ الثراء ولهذا السبب بدأتُ أطارد كل مهارة تلمع في أفق "السوشيال ميديا": تداول، مونتاج، فوتوشوب كنتُ أركض خلف وهمٍ صنعه لي العالم الرقمي وفشلتُ في كل شيء. أدركتُ حينها أنني مشتت مستعجل وأبحث عن خلاصٍ سهل لم يكن موجوداً يوماً.

​في محاولة لضبط البوصلة، قررتُ التركيز على لغة البرمجة "بايثون". اشتريتُ لابتوب جديداً بمواصفات أقوى وتعرفتُ لأول مرة على سرعة الـ SSD. ظننتُ أن القوة التقنية ستمنحني الانضباط، لكن العكس هو ما حدث. تحول الجهاز من أداة للتعلم إلى ساحة لـ "الكوارث الرقمية"؛ انغمستُ في ألعاب الفيديو لدرجة إهمال العمل، وتهتُ في صراعات المبرمجين على اليوتيوب حول "أفضل لغة" بينما كنتُ أنا أخسر نفسي في التفاصيل.


​وسط هذا التيه دخلتُ في علاقة عاطفية أسميها اليوم "علاقة الواتساب القصيرة". كانت علاقة استنزفت ما تبقى من طاقتي سهرٌ طويل لا ينتهي وتأخرٌ مستمر عن دوامي الصباحي. كانت علاقة كسرت حاجز الخجل بداخلي لكنها في المقابل رفعت معدل استهلاكي للمحتوى الإباحي وبدأتُ أتحول لشخصٍ غريب عن قناعاتي وفطرتي غارقاً في ميولٍ مضطربة زرعتها تلك الفيديوهات اللعينة في عقلي

دخلتُ في حالة من حب "التصنع" أردتُ طعاماً فاخراً وحياة لا تشبه راتبي. بدأتُ أستدين من المتاجر حتى وجدتُ نفسي في نهاية الشهر عاجزاً عن إرسال "نصيب أمي" أو توفير مصاريف سفري. ضاعت البركة بضياع الصلاة وأحكمت الديون حلقاتها حولي. وبلغ الجشع ذروته حين بعتُ جهازي في لحظة غباء لأطبق فكرة لم تزدني إلا خيبة وبدأت المشاكل تلاحقني في العمل وسط وشايات الزملاء، حتى أصبحتُ أضيف الحشيش على نار فشلي بمشاهدة "تيك توك" .

​فخ التصنع.. والديون التي لا ترحم


​بدأتُ أعيش حياة "التصنع"؛ رغبة عارمة في تناول طعامٍ فاخر لا أملك ثمنه، وحبٌّ للمظاهر لا يشبه واقعي. كانت النتيجة الحتمية هي "الدين". بدأتُ أستدين من أصحاب المتاجر، حتى وجدتُ نفسي في نهاية الشهر عاجزاً عن إرسال نصيب أمي من الراتب، وعاجزاً حتى عن توفير مصاريف سفري. دخلتُ في دائرة مغلقة من العادات السيئة، والديون، والتقصير في الصلاة.. وبدأت عواقب أفعالي تظهر في الأفق.




​نضجٌ زائف:





حاولتُ الإصلاح اشتريتُ دراجة مستعملة لتوفير المال وقررتُ شراء لابتوب جديد. ظننتُ أنني نضجت، لكن الفائض المالي تحول لنقمة كنتُ أبذره على الطعام وعلى فتيات لا أعرفهن فقط لأبدو "كريماً". تضاعف ديني وبدأتُ أشتري أشياء لا أحتاجها لمجرد "رغبة عابرة" وصورة أضعها في "ستوري الواتساب"


وفي ليلة صامتة أثقلتُ على دراجتي في شوارع العاصمة، فسقطتُ وكُسرت ذراعي كانت ليلة مليئة بالألم والوحدة تذكرتُ فيها كل أخطائي طفتُ على العيادات التي رفضت علاجي لأنني شاب وحيد ظانين أنني هارب من شجار أو سطو. قضيتُ ليلتي أصارع الألم والبرد ولأول مرة في حياتي، لم تواسني الموسيقى ولم يشغلني التيك توك. في الخامسة فجراً، أدركتُ أن هذا هو عقاب الله لي.

دخلتُ "دهليزاً" جديداً بوضعي للجبيرة وحصولي على إجازة. انتقلتُ للعيش في منزل عمي، وهناك ظهرت "هي". فتاة تعمل في المنزل لم ألحظها من قبل، لكن انكسار يدي جعلني أرى جمالها وعينيها المميزتين. بدأ اهتمامها بي كنوع من الشفقة، لكنه فتح في قلبي مكاناً لم أكن أعلم بوجوده. أصبحتُ أقلق لغيابها وأمزح معها.. وبدأتُ أشعر بثقلٍ في صدري تجاهها. طلبتُ رقمها.. ويا ليتني لم أفعل


الحريق :




​تغيرت علاقتنا بعد اعترافي لها بالحب؛ أو ما كنت أتوهم أنه حب. تحول الإفطار الصباحي إلى عناقٍ يومي بدأ يوقظ في نفسي الأمارة بالسوء وحوشاً لم أكن أعلم بوجودها. تحول القرب إلى مادة خصبة لخيالاتي الجنسية، وفي لحظة غيابٍ للوعي، انزلقنا نحو أفعالٍ جسدية لم أكن أملك الخبرة لمواجهتها. اكتشفتُ حينها أنني لستُ أمام براءة، بل أمام "محاكاة" لشهواتي، وبدأتُ أحاول تقليد ما زرعته تلك الفيديوهات اللعينة في عقلي، فكانت النتيجة ألماً وندماً روحياً لا يطاق.


​انتبهتُ متأخراً للهاوية التي وضعتُ نفسي فيها. حاولتُ بناء حدود غير مرئية وتقليل الكلام لترميم ما انكسر، لكنني فشلت. طلبتُ منها إنهاء العلاقة، فقابلتني بنظرة باردة وكأنها تعلم حجم الشرخ الذي صنعته في قلبي، وكأنها تقول: "لن تستطيع". وسط هذا الانكسار، عدتُ لعملي بعد تعافي يدي، لكن البيئة كانت قد تسممت بوشايات الزملاء ونظام الشركة الجديد. وفي صباحٍ عادي، أتتني الرسالة الصاعقة على الواتساب: "أنت مطرود".


​انتهى روتيني، ووجدتُ نفسي في فراغٍ قاتل. بدأتُ أبحث عن المتعة في أحاديث الشباب عن الفتيات، وخُيّل لي أنني أملك "جوهرة" في المنزل. وفي لحظة ضعفٍ وتخلٍ تام عن المبادئ، هدمنا ما تبقى من أسوار الحياء. مارستُ الجنس لأول مرة، وفي اللحظة التي سبقت القذف شعرتُ بنشوة كاذبة وإنجازٍ وهمي، لكن بمجرد أن هدأت، تحول كل شيء إلى ندمٍ مرير. أدركتُ أنني تخطيتُ عصيان العباد إلى عصيان الخالق، وخنتُ أمانة عمي الذي استضافني في بيته.


​لم أتحمل العار والخوف؛ هربتُ نعم هربت . عدتُ للمكان الذي بدأ منه كل شيء، وبما أنني لا أملك ثمن الرحلة، كذبتُ على أمي وبعتُ هاتفها لأوفر ثمن التذكرة. تركتُ خلفي ديوناً وسمعة مشوهة في العاصمة كـ "مخادع هارب"، ليتهم عرفوا أنني كنتُ أفرُّ من حفرة الزنا التي لم أعد أقوى على مقاومتها، ومن العواقب التي كنتُ أخشاها. هكذا انتهت رحلتي الأولى في العاصمة، بقلبٍ محطم وحطام رجل يحاول الآن، من وراء شاشة هاتفه، أن يبدأ من جديد.



تعليقات

إرسال تعليق

لأكثر قراءة

الموسيقى: "النشوة المزيفة" والهروب الكبير من الواقع

البرمجة القذرة : كيف تحولك لإباحية من إنسان إلي " سلة مهملات رقمية "

خطر المعرفة الجاهزة: هل نحن جيل يقرأ كثيراً ويفهم قليلاً